في الأشهر التي تلت سقوط القنابل الأولى في أواخر فبراير في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، شهد العالم صراعًا بين نهجين مختلفين تمامًا في الحرب والدبلوماسية.
من واشنطن، يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إدارة حرب اختار البدء بها من منظور تفضيله الغريزي للمبادرات المعاملاتية والحلول السريعة، دون التفكير في الأهداف الاستراتيجية النهائية.
أما من طهران، فقد أدارت القيادة المنقسمة حربًا مفروضة عليها من منطلق أيديولوجي، مع التركيز على مستقبل ما بعد الحرب، الذي قد يترك إيران في وضع أقوى في شرق أوسط متحول.
كل جانب في الحرب الأمريكية الإيرانية يعاني من انقسامات داخلية، مما يجعل حل النزاع أمرًا معقدًا.
يقول المحللون إن تصادم هذين النهجين المختلفين هو أحد الأسباب التي جعلت الحرب، التي قال ترامب إنها لن تستمر أكثر من أربعة أو خمسة أسابيع، تقترب الآن من شهرها السادس دون نهاية في الأفق.
تقول مونا يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: “يمكن أن تأخذ الطريقة المعاملاتية ترامب إلى حد معين، خاصة عندما تكون في عمق مشكلة استراتيجية معقدة تتطلب طريقة تفكير مختلفة تمامًا.”
وتضيف: “نرى المعاملات تتصادم مع الاستراتيجية”، مشيرة إلى أن الإيرانيين “يلعبون اللعبة الطويلة”. بينما تظل الأولوية لديهم هي البقاء، فإن بعض عناصر النظام الإيراني تركز أيضًا على استغلال “أدواتهم الجديدة للسلطة في فرض السيطرة على مضيق هرمز”.
تصف يعقوبيان هذه اللحظة بأنها “لحظة تحول” في الشرق الأوسط، مشيرة إلى “انهيار” النظام القديم، وتقول: “تتطلب مثل هذه اللحظة التاريخية المعقدة التفكير الاستراتيجي وليس النهج المعاملاتي.”
في هذا السياق، يقول آخرون إن نهج ترامب المفضل لا يكتفي بالفشل، بل أصبح مضراً بالمصالح الأمريكية.
يقول أليكس فتانكا، زميل بارز في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: “إذا كان هناك لحظة في فترة رئاسة ترامب الثانية عندما انهار نهجه المعاملاتي، فهي الحرب على إيران”.
رغم الانتقادات المتزايدة لنهجه، حتى من بعض الجمهوريين، يبدو أن ترامب مصمم على الاستمرار في اتخاذ إجراءات مبنية على حدسه.
أثر الحملة الجوية
في يوم الأربعاء، أعلن ترامب أنه سيبدأ في استهداف المزيد من البنية التحتية المدنية، مثل محطات الطاقة. وحذر في مقابلة مع فوكس نيوز من أنه “سنقوم بتدمير جميع جسورهم ما لم يجلسوا إلى الطاولة ويتفاوضوا”.
كما أعلن الرئيس أنه سيستبدل خطته لتوليد إيرادات من الوجود الأمريكي في مضيق هرمز بخطة “أفضل” من قادة الخليج، الذين تعهدوا باستثمارات كبيرة في الولايات المتحدة مقابل الدور الأمريكي في المضيق.
يجادل المسؤولون في البيت الأبيض بأن القصف المتجدد سيضع الولايات المتحدة في موقف قوة عندما توافق إيران على العودة إلى المفاوضات.
لكن آخرين يرون أن العودة إلى القصف الواسع النطاق، بالإضافة إلى تجديد شيطنة القيادة الإيرانية وتهديدات بالانقراض، ستعزز من موقف المتشددين في النظام الإيراني.
يقول فتانكا: “سيتطلب الأمر وقتًا ودبلوماسية هادئة ونهاية للإهانات وتهديدات الانقراض، لكن أعتقد أن ترامب يمكنه الحصول على صفقة إذا تصرف بطرق تساعد الشعب داخل إيران.” ويضيف: “لكنه لن يحصل على ذلك إذا استمر في وصفهم جميعًا بـ ‘القمامة’.”
انقسامات داخلية على الجانبين
تم الحديث كثيرًا عن الانقسامات داخل النظام الإيراني وكيف تعقد هذه المفاوضات من أجل صفقة دائمة. يقول جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق في البيت الأبيض، إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية قد دمرت القيادة العليا، مما ترك إيران مع “رؤوس سلطة” تتنافس مع بعضها البعض.
لكن هناك أيضًا انقسام واضح في البيت الأبيض بين كبار مستشاري الأمن القومي، مما يعد مصدرًا لتقلبات ترامب في الحرب.
تقول يعقوبيان: “هذا رئيس يحب التحرك بسرعة بناءً على حدسه، لكنه لا يزال يسمع من حوله الذين يرون هذه الحرب والتدخل العسكري من زوايا مختلفة تمامًا”.
وتضيف أن هناك معسكرين متميزين، أحدهما يضم نائب الرئيس جي دي فانس، الذي هو “أكثر تشككًا في التدخل العسكري”، والآخر يضم وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي هو “أكثر تشددًا، خاصة مع إيران”.
تقول يعقوبيان إن صراع هذين المعسكرين قد عطل العملية الدبلوماسية وامتد بالحرب، مشيرة إلى أن روبيو قام بتعديل بند الاتفاقية مع لبنان بعد أيام من إبرامها.
تقول: “عندما جاء روبيو بشيء يهدف إلى عزل إيران عن لبنان، بدا كأنه ‘تصحيح’ للاتفاقية، لكنه أيضًا أثار الشكوك لدى الإيرانيين حول ما تم التفاوض عليه، مما عزز المتشددين الذين يقولون إن الأمريكيين لا يمكن الوثوق بهم.”
