أوروبا تعيد النظر في الطاقة النووية وسط أزمات الطاقة المتزايدة
تواجه أوروبا تحديات كبيرة في مجال الطاقة، حيث أدت التكاليف المرتفعة والقلق من النفايات الإشعاعية وذكريات الحوادث المروعة إلى تردد القارة في اعتماد الطاقة النووية على مدى العقود الماضية.
ومع ذلك، فإن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز في ظل الصراع الأمريكي الإيراني قد كشف عن ضعف أوروبا في مواجهة انقطاع الواردات الطاقية، مما يجعل الطاقة النووية خيارًا محتملاً لإنقاذ الموقف.
قال فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، في تصريحات سابقة، إن الطاقة النووية ستحصل على “دفعة” من أزمة الإمدادات، داعيًا الحكومات إلى تعزيز مرونتها من خلال مصادر الطاقة البديلة.
تتميز الطاقة النووية بانخفاض انبعاثاتها مقارنة بالوقود الأحفوري، كما أن محطات الطاقة النووية تتطلب مساحة صغيرة وتعتبر موثوقة في جميع الظروف الجوية.
في هذا السياق، أشار كريس سيبل، نائب رئيس قسم الطاقة المتجددة في وود ماكنزي، إلى أهمية دور الطاقة النووية في حل مشكلة الطاقة بأوروبا.
تتمتع الولايات المتحدة والصين وفرنسا بموقع أفضل للتعامل مع صدمة الإمدادات الناتجة عن الصراع، حيث تعد هذه الدول من أكبر منتجي الطاقة النووية في العالم.
أوضح مايكل براون، استراتيجي الاستثمار العالمي في فرانكلين تمبلتون، أن عدم توفر مصادر الطاقة الطبيعية يعني أن تكاليف الطاقة ستزداد عند استيرادها، مما يستدعي بناء قدرات نووية.
تعتبر فرنسا نموذجًا يحتذى به في هذا المجال، حيث تلبي أكثر من 60% من احتياجاتها الطاقية من الطاقة النووية.
في الوقت نفسه، بدأت دول أخرى اتخاذ خطوات مماثلة، حيث اعتبر وزير المناخ الكوري الجنوبي، كيم سونغ-هوان، أن الحرب في إيران تمثل “نقطة تحول هامة” للانتقال من النفط إلى البدائل.
في حديثه مع CNBC، أكد سونغ-هوان أن الطاقة النووية والمتجددة ستكون “الركيزتان الأساسيتان” في مستقبل إمدادات الطاقة.
يتساءل الكثيرون عما إذا كانت دول أوروبية أخرى، مثل المملكة المتحدة وألمانيا، ستعيد النظر في بناء قدراتها النووية لتعزيز قدرتها على مواجهة صدمات الإمدادات الطاقية المستقبلية.
نظرة طويلة الأمد
يرى المحللون أن هناك حجة قوية لزيادة أهمية الطاقة النووية كعنصر أساسي في استراتيجية الطاقة للدول الأوروبية.
حاليًا، تشكل الطاقة النووية حوالي 11.8% من إجمالي مزيج الطاقة في أوروبا، بينما لا تزال نسبة النفط والغاز تتجاوز الثلث، وفقًا لبيانات يوروستات.
قال عدنان شهاب الدين، زميل باحث أول في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، إن “أسهل طريقة لضمان أمن الطاقة هي تنويع المصادر”.
وأشار إلى أن الخطأ الذي ارتكبته ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية الأخرى هو وضع الأيديولوجيا في المقدمة، معتقدين أن الطاقة النووية ضارة.
ومع ذلك، فإن تشغيل المحطات النووية قد يستغرق عقودًا. محطة هينكلي بوينت C في المملكة المتحدة، التي من المتوقع أن تكون أول مفاعل نووي منذ أكثر من 30 عامًا، بدأت العمل في 2016 ومن المتوقع أن تنتهي بحلول نهاية العقد.
ستوفر هذه المحطة الكهرباء لستة ملايين شخص، وتغطي 7% من احتياجات البلاد الطاقية.
تصورات عامة
تسببت أكبر كارثتين نوويتين في التاريخ، تشيرنوبل في 1986 وفوكوشيما في 2011، في تشويه سمعة التكنولوجيا في عيون الجمهور، مما دفع السياسيين إلى إلغاء المشاريع النووية.
لكن الأزمة الطاقية الثانية في أوروبا خلال أربع سنوات قد تغير من مواقف الجمهور، وفقًا لكريس أيلت، الباحث في مركز البيئة والمجتمع في تشاتام هاوس.
قال أيلت إن “الطاقة النووية تُعتبر مصدرًا محليًا للطاقة، حيث إن سلسلة إمداداتها ليست معرضة للاضطرابات الجيوسياسية كما هو الحال مع النفط والغاز”.
ومع ذلك، فإن العمل على إعداد الأجيال القادمة لمواجهة تعقيدات النقاش حول الطاقة النووية يتطلب جهودًا كبيرة، كما أشار شهاب الدين.
“لا يمكن الدخول والخروج بسهولة – يتطلب الأمر إعادة التعليم، لأن التعليم هو الذي سيؤدي إلى دعم الجمهور للسياسيين، والذين بدورهم سيستجيبون للجمهور”.
